درجة ثانية
17-12-03, 04:35 AM
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
نبدأ في دراسة صفحات مجهولة في تاريخ بيت المقدس من بعد عام 1098م أو 1099م، فهي مرحلة متسارعة الأحداث وباعتبارها قد بدأت فيها مرحلة جديدة، تمثّلت في سقوط بيت المقدس بيَد أبناء أوروبا، بالإضافة إلى منطقة الرُّها في شمال العراق و أجزاء من آسيا الصغرى (شبه جزيرة الأناضول)، وبهذا دخل العالم العربي والإسلامي في مرحلة صراع ودفع للهيمنة الأوروبية الصليبية التي شاركت فيها ألمانيا، وإنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، وحشدت كلّ قواها لبسط نفوذها على المنطقة العربية خاصة والإسلامية عامة..
كان يدعم هذه الحملات الصليبية الكنيسة الرومانية الشرقية البيزنطية التي تدين بالأرثوذكسية، والكنيسة الرومانية الغربية التي تدين بالكاثوليكية، واستمر بيت المقدس أسيرًا في أيد الصليبين حتى عام 583هـ..
نلمح في هذه المرحلة أن المقاومة الإسلامية بدأت منذ اللحظة الأولى لاحتلال بيت المقدس؛ وذلك لكونه يعيش في حنايا وقلوب وعقائد المسلمين، وانطلقت هذه المقاومة بقيادة كلّ من "عماد الدين زنكي" و"شيخ الدين غازي" و"نور الدين محمود" و"نجم الدين أيوب" والد "صلاح الدين" و"أسد الدين شيركوه" عم "صلاح الدين"، وبمعاونة العلماء- ومنهم القاضي "الفاضل العماد"- ولم يكن "صلاح الدين" قد وُلِد في تلك الفترة وكان مولده عام 532هـ، واستمرت هذه المقاومة حتى نجح "عماد الدين زنكي" في تحرير الرُّها أول معقل من المعاقل الصليبية في ذلك الوقت، حاصر قلعةً من القلاع التي تَمَركز فيها الصليبيون.
وقاد الحركة الجهادية في سبيل الله "صلاح الدين الأيوبي" ووفّقه الله- وقد بلغ من العمر خمسين سنة - لتحرير بيت المقدس، واستطاع أن ينظّف المسجد الأقصى وقبة الصخرة من شعارات أعداء الإسلام، ويعود نداء (الله أكبر) يتردّد في جنباتها مرةً أخرى، وكان ذلك في 27 رجب من عام 583هـ، وبعدها أصبح بيت المقدس جزءًا من الكيان السياسي لدولة الخلافة الإسلامية العباسية على عهد الأيوبيين والمماليك، ظلّ كذلك حتى سنة1918م.
ونلمح في هذه المرحلة الهجمة الشرسة التي جاءت من المغول والتتار، التي استهدفت الخلافة العباسية- التي تشكّل الحصن الواقي الذي يذود عن المسلمين وعقائدهم وعن أمتهم ومقدساتهم-، ولقد قيَّض الله لهذه المرحلة "قطز" و"محمد بن قالوون" و"الأشرف خليل" فكسروا غزو المغول والتتار؛ لتتحرر ليس القدس فحسب بل بلاد الشام وشمال العراق وشبه جزيرة الأناضول، وتنكسر شوكة أبناء أوروبا في آخر معقل في عكا سنة 692هـ، وبعدها أصبحت الشام كلها والعراق وبقية العالم الإسلامي والجزء الجنوبي من شبه جزيرة الأناضول وشرقها، ومصر والشمال الأفريقي... أصبحت تشكِّل جزءًا من الكيان السياسي لدولة الخلافة العثمانية التي امتدت حدودُها السياسية لتشمل إيران والعراق وخراسان وشبه الجزيرة العربية وشبه جزيرة الأناضول..
وفي عهد العثمانيين افتتح "محمد الفاتح" القسطنطينية، وأسماها مدينة الإسلام (إسلامبول) سنة 1453م، وبعدها انتشر الإسلام في شبه جزيرة البلقان، ووصل المسلمون إلى بودابست (المَجر) حتَّى امتدت الحدود السياسية للدولة العثمانية لتشمل شبه جزيرة البلقان، فكانت (صربيا) تشكّل منطلقًا للجيوش الإسلامية، وكانت شبه جزيرة الأناضول تشكِّل المنطلق الذي ينطلق منه المسلمون لنشر الإسلام في أوروبا، وكانت بلاد الحجاز وبيت المقدس تشكّل مصرفية تتبع الباب العالي مباشرةً؛ حماية لها من مؤامرات الصليبيين واليهود التي بدا أمرها يظهر بوضوح منذ عهد السلطان "سليم الأول".
إذن من خلال دراستنا لهذه الحقبة التاريخية لبيت المقدس تتأكّد لنا حقيقةٌ لا مراءَ فيها ولا ما يدع مجالاً للشك، وهو أنه لم يكن لليهود كيان سياسي على أرض فلسطين، ولم يكن لأبناء أوروبا موضع قدم على أرض بلاد العالم العربي والإسلامي، حتى سنة 1909م، ومن هنا بدأت مرحلة من تاريخ الصراع بين الشرق والغرب، الصراع بين الحق والباطل.
وفي خضم هذا الصراع ومن ضمنه أيضًا وقع في سنة 1909م الانقلاب العسكري الثاني الذي أطاح بالسلطان "عبد الحميد الثاني"، الذي شكَّل عقبةً حقيقيةً أمام إقامة كيان صهيوني في أرض فلسطين؛ لكونه رفَض أن يفرِّط بحبَّة تراب واحدة من أرضها، والذي كان يردّد دائمًا أن هذه الأرض التي رواها آبائي و أجدادي بدمائهم لا يمكن التفريط فيها، وعمد اليهود إلى إغرائه بالمال لتسديد مديونية الدولة العثمانية، ولكنه رفض بإِباء وشمَم- رغم حوجته الماسة لهذا المال في تلك الفترة- ودوَّن في مذكراته أنه ليس من حقه التفريط بشبرٍ واحد من أرض فلسطين، وعلى إثْر هذا الموقف تم التَّآمُر عليه والإطاحة به على أيدي الضباط من أبناء حزب الاتحاد والترقِّي، وهكذا انهارت عقبةٌ من عقبات إقامة كيان سياسي صهيوني على أرض فلسطين.
من أبرز ملامح هذه المرحلة من الصفحات المجهولة انعقاد المؤتمر الصهيوني العالمي في (بازل) بسويسرا عام 1897م، والذي تقرَّر فيه إقامة الكيان الصهيوني الغاصب على أرض فلسطين، وفيه دبَّروا مكيدة الخلاص من العقبة المستعصية التي تقف في وجههم وهي الخلافة الإسلامية بقيادة السلطان "عبد الحميد الثاني"، فجاء الانقلاب العسكري الأول سنة 1908 والثاني سنة 1909 والذي انتهى بإقامة حكم العسكر..
وفي هذه المرحلة وقعت الحرب العالمية الأولى والتي صدر أثناءها (وعد بلفور)، وذلك باتفاق بين ألمانيا وإنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وروسيا؛ ليشترك الجميع في جريمة غرس هذا الكيان العنصري النازي على أرض فلسطين، وبموجبه تمَّ الاتفاق على تمزيق العالم العربي وِفْق معاهدة (سايكس بيكو)، والتي اتُفق فيها على أن تغضَّ فيها فرنسا وإنجلترا عن الروس في المنطقة الواقعة ما وراء البحر الأسود مقابل أن يغضَّ الروس الطرفَ عن الفرنسيين والإنجليز في العالم العربي والإسلامي...
وقامت الحرب العالمية الأولى واستدرج العرب لدخول هذه الحرب تحت قيادة "فيصل بن الشريف بن الحسين"، بعد أن أقنعوه بأنه يمكن أن يكون خليفة على دولة عربية مستقلة، بشرط أن يتعاون مع أبناء أوروبا من الإنجليز والفرنسيين الحلفاء في ضرب الجيوش الإسلامية العثمانية التي كانت تحمي فلسطين وبيت المقدس وأرض المسلمين، وقَبِل "الشريف الحُسين" أن يحارب تحت راية الصليبين أبناء أوروبا، وهكذا دخلت الشعوب العربية- التي ابتُليت بهذه القيادة السياسية- الحرب إلى جانب ما يسمَّى الحلفاء الذين تستَّروا بستار الصليب، واضطُّر الأتراك أن يخوضوا هذه الحرب بجانب ألمانيا، وهكذا ضُربت ثلاثة جيوش عربية إسلامية عثمانية كانت تحمي بيت المقدس، وعلى إثر ذلك دخل الجنرال "اللنبي" القدس في ديسمبر 1917م، قائلاً: "الآن انتهت الحروب الصليبية"، ودخل الجنرال "غورو" إلى دمشق ووضع قدمه على قبر "صلاح الدين"، قائلاً: "ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين"، وتعتبر هذه المرحلة من أخطر المراحل التي نعيش تبعاتها لغاية اليوم.
إذن حتى سنة 1918م لم يكن لليهود كيان سياسي في أرض فلسطين، ولا للاستعمار الغربي موضع قدم على أرض الشام، كان هناك احتلال إنجليزي على مصر سنة 1882م، وكان هناك احتلال فرنسي على تونس والجزائر والمغرب 1830م، وفي سنة 1922م صدر صكّ الانتداب من عصبة الأمم بتفويض بريطانيا العُظمى لإدارة فلسطين، بمعنى إبادة و تشريد شعبها وفتح الطريق أمام الهجرة اليهودية، وأصبحت عصبة الأمم وإيطاليا وفرنسا وإنجلترا وكلّ الدول الأوروبية تدعم المشروع الصهيوني، وتولّت بريطانيا تيسير هذا الأمر ومنذ عام 1918م واصل الإنجليز تهويد فلسطين وتسليمها لليهود.
ولقد أدرك الشعب الفلسطيني ما يدبَّر له، وأدرك العالم العربي هذه المخطّطات، ولكن لم يكن يملك من أمره شيئًا، لكون العالم العربي يرزح تحت نير الاحتلال الأجنبي، فكانت الأمة مكبّلة بالأغلال، ففلسطين محاصَرة، والخلافة غائبة، والحكام باعوا أنفسهم للإنجليز أو لأعوانهم، والشعب الفلسطيني محاصَر، فمن الجهة الشرقية (كلوب) الإنجليزي الذي كان قائد جيش الأردن، ومن جهة سورية وجود قوات احتلال فرنسي، ومصر محتلَّة إنجليزيًّا، واستغلالاً لهذه الأوضاع المزرية قام الإنجليز منذ عام 1918-1948م بدعمٍ من الدول الأوروبية بتشريد غالب الشعب الفلسطيني وسلّموا هذه الأرض للعصابات الصهيونية التي فتحت باب الهجرة لها، وفي عام 1948م أعلنوا الإنجليز انسحابهم بعدما أتمّوا مرحلة التهويد، وعلى إثر ذلك اجتمع ممثلو الكيان الصهيوني، وأعلنوا قيام دولة (إسرائيل) على التراب الفلسطيني في 14/5/1948م.
الغريب أن أول من سارع للاعتراف بهذا الكيان المسخ هي روسيا، وبعد 6 دقائق اعترفت أمريكا بالدولة الصهيونية الغاصبة على أرض فلسطين، وبهذا أوفَت بريطانيا بوعدها- وعد بلفور- ونقضت العهود مع "الشريف حسين" بدولة عربية مستقلة، وما كان له أن ينخدع، ولكنه أجرم في حق هذه الأمة لتصديق وعودهم وهم الذين بِدون وعد ولا عهد، حتى أصبحت فلسطين لقمةً سائغة بأيديهم.
وبعد 14/5/1948م بدأ الكيان العنصري الدخيل يباشر نشاطه بدعم من الدول الغربية الاستعمارية وبدعم من المنظمة الدولية، وبهذا أصبح الكيان- الذي اقتلع شعب من جذوره، وانتهك المقدسات، وصادر أرض الغير- عضوًا في المنظمة الدولية، ويُدعم بالرجال والسلاح، فروسيا فتحت باب الهجرة إلى أرض فلسطين، وفرنسا هي التي نفّذت المشروع النووي للكيان الصهيوني، وألمانيا هي التي زوّدتهم بغواصات نووية وزوارق التوربيد وتدعمهم بالمال والخبرات لتصنيع الأسلحة الجرثومية والكيميائية، وأمريكا تدعمهم بالمال والسلاح، وللأسف فإن العالم العربي والإسلامي بنواقصه وقَف مواقفه السلبية وهو يرى هذا الكيان يعلو يومًا بعد يوم، وهو لا يحرّك ساكناً، ونسي الجميع أن القدس وقفٌ إسلامي، وأن فلسطين بتاريخها جزءٌ من عقيدة المسلمين، وتحريرها فرض على المسلمين وهو واجب شرعي وضرورة حياتية لا يعذر منها أحد، وأن نصرة أهلها من عقيدتنا، وأن الأمة- حكامًا ومحكومين- مكلفةٌ بتحرير بيت المقدس.
في هذه المرحلة التي علا فيها اليهود علوًّا كبيرًا، كما أخبر الله عز و جل: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَ كَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً ﴾ (الإسراء: 5،4).
هذه المرحلة تحتاج إلى دراسة متأنّية؛ كي نفقه وندرك ونعلم أن الله فرض على أمتنا نصرة المسلمين في كلّ مكان يُظلمون فيه، ليس في فلسطين فحسب، بل وفي العراق والشيشان كذلك، بل وفي كل مكان تعلو عليه (لا إله إلاَّ الله)، يقول "ابن قدامة": "إذا سطَا العدو على شبر من أرض الإسلام فقد أصبح الجهاد متعلّقًا في رقاب المسلمين ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَ لَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَ بِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَ مَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40،39).
في هذه المرحلة لا بُد من تجلية صفحاتها حتى ندرك من هو الصديق ومن هو العدو ومن يوالي ومن يعادي ومن الذي رمانا بهذا البلاء، ونبّه إلى أن الدول الأوروبية غيرُِ جادة بإقامة دولة فلسطينية لا على أرض غزة، ولا على أرض الضفة، ولا على وقف العدوان الواقع على أرض فلسطين، وخريطة الطريق جاءت فقط لكون العدو الصهيوني في ورطة حقيقية، وفي كتاب نشر مؤخرًا في مجلة (البيان) تحت عنوان (الانتفاضة والتتار الجدد) للدكتور "سفر بن عبد الرحمن الحوالي" تكلَّم فيه أن العدو في ورطة حقيقية، والهدف من خارطة الطريق إنقاذ العدو الصهيوني، واستقطاب مشاعر المسلمين لإخراجهم من ورطتهم في العراق وأفغانستان، وهم الذين وضعوا الجميع بقاربٍ واحد وهم عازمون على إغراقهم، وما صدر عن أوروبا في إيطاليا مؤخرًا بوضع حركة (حماس) حتى جناحها السياسي على قائمة الإرهاب إلا دليل على عدم جدّية الدول الأوروبية بإقامة دولة فلسطينية، وأن هذا القرار خُطّط له بليلٍ دامس، وهو ليس وليد 11 سبتمبر أو أحداث أفغانستان، والدليل على ذلك سأعرض لكتاب أو كلمات قالها عالم من علماء مصر اللواء الدكتور "سلمي محمد" أستاذ الإستراتيجية الشاملة في أكاديمية ناصر العسكرية في كتاب له نُشر سنة 1996م كتب كتاب (كيف نفكّر استراتيجيًّا)، وفي صفحة 403 تكلَّم في المحور الرابع عن محاربة الإرهاب، قائلاً: "على الرغم من كلِّ هذا فقد نجد أن الاتجاه العالمي هو التعبير بكلمة الإرهاب عن الإسلام، وبعضهم يضيف وصفًا للإرهاب ليقول الإرهاب الإسلامي، وهو ما نجده كثيرًا في تعبيرات قادة الكيان الصهيوني؛ ولذلك تعتبر التعبئة العالمية لمحاربة الإرهاب أحد أهم مكوّنات ثقافة السلام، ويعبِّر بعض أعداء الإسلام بقولهم محاربة أعداء السلام، وهم يشيرون بذلك إلى مسلمِي فلسطين من منظمة (حماس)، إلى (الجهاد الإسلامي)، حتى منظمة (حزب الله)، التي تجاهد لتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الصهيوني، ويضيفون إليهم كلَّ المجاهدين المسلمين الرافعين لراية الحق في كلِّ أنحاء المعمورة".
ونبّه الكاتب: "ولكن الأمة لم تنتبه في حينه، وهو أن شعار التحالف الدولي من أجل محاربة الإرهاب الذي يرفعه الرئيس الأمريكي ويوافقه عليه عددٌ كثير من قادة الغرب، وعدد من قادة الدول الإسلامية...، ما هو إلا شعار يحمِل في طيّاته شنَّ حربٍ عالمية شاملة ضد الإسلام؛ لاقتلاعه من العالم إن استطاعوا ولن يستطيعوا؛ لأن إرادة الله اقتضت أن يعلوَ هذا الدين ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:33، وفي موضع آخر ﴿وَكَفَى بِالله شَهِيدًا﴾ (الفتح من الآية28).
لابد أن ندرك أن هذه الهجمة الشرسة لا تستهدف العراق فحسب ولا فلسطين فحسب ولا الشيشان وأفغانستان، وإنما تستهدف المملكة العربية السعودية؛ لأنهم يحلُمون بخيبر وبني النضير، وتستهدف مصر لتمزيقها- مزّقهم الله كلّ ممزق-، وتستهدف أمتنا التي جعلها الله رحمة للعالمين، الأمة التي أوصاها الله بأهل الكتاب ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة:9،8).
نريد من هذه الدراسة أن ندرك أن العالم الغربي وأوروبا غير جادين في وقف العدوان القائم في فلسطين، وأن خارطة الطريق لتخدير مشاعر المسلمين، إن فلسطين محتلة منذ عام 1918م فلماذا لم يتحرّكوا عند صرخة الشعب الفلسطيني في عام 1921م و1935م بقيادة الشيخ المجاهد "عز الدين القسام" وعام 1936م "الحسيني" و"حسن سلامة" وصرخة (47 و48) والدول الأوروبية هي التي مكَّنت العدو من قيام هذا الكيان على أرض فلسطين وكبّلوا العالم العربي حتى أصبح للكيان الصهيوني جذورٌ في أرض فلسطين.
إن وضع (حماس) على قائمة الإرهاب الأوروبية جريمةُ، ولنا أن نتساءل أين حقوق الإنسان؟!! وأين القانون الدولي؟! وأين الحريات؟! فشعب يدافع عن عرضه ومقدساته وعن وطنه هل بهذ يعد إرهابيًّا؟!
لماذا إذن حاربت القوات الأمريكية الموجودة في القارتين الجديدتين بقيادة "جورج واشنطن" الإنجليز؟!
لماذا حارب الصينيّون الإنجليز ودول أوروبا في حرب الأفيون ولماذا "ديجول فرنسا" قاوم الاحتلال النازي؟! فالمقاومة مشروعة تاريخيًّا وقانونًا وشرعًا والعالم كلّه يدرك أن الحق مع الشعب الفلسطيني في مقاومته ضد الاحتلال الدخيل، ولكن رغم هذا يصرّون على مواصلة موقفهم الداعم للكيان الصهيوني لتنقلب الموازين وعلى إثْر ذلك جعلت المقاومة الفلسطينية إرهابًا وتم القضاء على الحريات والديمقراطية وغُيّب القانون على يدي من يُطلق على نفسه دول العالم المتحضِّر لتقيم البشرية في العهد الرعوي، رغم كلِّ ما يمتلكوه من وسائل تكنولوجية و علم.
لا بد من إدراك هذه المرحلة ليعرف العالم كله الشعبَ الأمريكي؛ لأن هناك فئات فيه ما زال عندها قيم ومبادئ؛ لذلك نرى المظاهرات قد خرجت في الدول الأوروبية وحتى أمريكا معارضة للحرب على العراق، ومنهم فئات تريد وقف العدوان على الشعب الفلسطيني ولا بد من تنبيههم أننا في حالة وقف العدوان على أمتنا سنكون لهم أصدقاء، لكم ما لنا وعليهم ما علينا؛ لأن الله علّمنا ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة:9،8).
--
نقلاً عن المركز الفلسطيني للإعلام
نبدأ في دراسة صفحات مجهولة في تاريخ بيت المقدس من بعد عام 1098م أو 1099م، فهي مرحلة متسارعة الأحداث وباعتبارها قد بدأت فيها مرحلة جديدة، تمثّلت في سقوط بيت المقدس بيَد أبناء أوروبا، بالإضافة إلى منطقة الرُّها في شمال العراق و أجزاء من آسيا الصغرى (شبه جزيرة الأناضول)، وبهذا دخل العالم العربي والإسلامي في مرحلة صراع ودفع للهيمنة الأوروبية الصليبية التي شاركت فيها ألمانيا، وإنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، وحشدت كلّ قواها لبسط نفوذها على المنطقة العربية خاصة والإسلامية عامة..
كان يدعم هذه الحملات الصليبية الكنيسة الرومانية الشرقية البيزنطية التي تدين بالأرثوذكسية، والكنيسة الرومانية الغربية التي تدين بالكاثوليكية، واستمر بيت المقدس أسيرًا في أيد الصليبين حتى عام 583هـ..
نلمح في هذه المرحلة أن المقاومة الإسلامية بدأت منذ اللحظة الأولى لاحتلال بيت المقدس؛ وذلك لكونه يعيش في حنايا وقلوب وعقائد المسلمين، وانطلقت هذه المقاومة بقيادة كلّ من "عماد الدين زنكي" و"شيخ الدين غازي" و"نور الدين محمود" و"نجم الدين أيوب" والد "صلاح الدين" و"أسد الدين شيركوه" عم "صلاح الدين"، وبمعاونة العلماء- ومنهم القاضي "الفاضل العماد"- ولم يكن "صلاح الدين" قد وُلِد في تلك الفترة وكان مولده عام 532هـ، واستمرت هذه المقاومة حتى نجح "عماد الدين زنكي" في تحرير الرُّها أول معقل من المعاقل الصليبية في ذلك الوقت، حاصر قلعةً من القلاع التي تَمَركز فيها الصليبيون.
وقاد الحركة الجهادية في سبيل الله "صلاح الدين الأيوبي" ووفّقه الله- وقد بلغ من العمر خمسين سنة - لتحرير بيت المقدس، واستطاع أن ينظّف المسجد الأقصى وقبة الصخرة من شعارات أعداء الإسلام، ويعود نداء (الله أكبر) يتردّد في جنباتها مرةً أخرى، وكان ذلك في 27 رجب من عام 583هـ، وبعدها أصبح بيت المقدس جزءًا من الكيان السياسي لدولة الخلافة الإسلامية العباسية على عهد الأيوبيين والمماليك، ظلّ كذلك حتى سنة1918م.
ونلمح في هذه المرحلة الهجمة الشرسة التي جاءت من المغول والتتار، التي استهدفت الخلافة العباسية- التي تشكّل الحصن الواقي الذي يذود عن المسلمين وعقائدهم وعن أمتهم ومقدساتهم-، ولقد قيَّض الله لهذه المرحلة "قطز" و"محمد بن قالوون" و"الأشرف خليل" فكسروا غزو المغول والتتار؛ لتتحرر ليس القدس فحسب بل بلاد الشام وشمال العراق وشبه جزيرة الأناضول، وتنكسر شوكة أبناء أوروبا في آخر معقل في عكا سنة 692هـ، وبعدها أصبحت الشام كلها والعراق وبقية العالم الإسلامي والجزء الجنوبي من شبه جزيرة الأناضول وشرقها، ومصر والشمال الأفريقي... أصبحت تشكِّل جزءًا من الكيان السياسي لدولة الخلافة العثمانية التي امتدت حدودُها السياسية لتشمل إيران والعراق وخراسان وشبه الجزيرة العربية وشبه جزيرة الأناضول..
وفي عهد العثمانيين افتتح "محمد الفاتح" القسطنطينية، وأسماها مدينة الإسلام (إسلامبول) سنة 1453م، وبعدها انتشر الإسلام في شبه جزيرة البلقان، ووصل المسلمون إلى بودابست (المَجر) حتَّى امتدت الحدود السياسية للدولة العثمانية لتشمل شبه جزيرة البلقان، فكانت (صربيا) تشكّل منطلقًا للجيوش الإسلامية، وكانت شبه جزيرة الأناضول تشكِّل المنطلق الذي ينطلق منه المسلمون لنشر الإسلام في أوروبا، وكانت بلاد الحجاز وبيت المقدس تشكّل مصرفية تتبع الباب العالي مباشرةً؛ حماية لها من مؤامرات الصليبيين واليهود التي بدا أمرها يظهر بوضوح منذ عهد السلطان "سليم الأول".
إذن من خلال دراستنا لهذه الحقبة التاريخية لبيت المقدس تتأكّد لنا حقيقةٌ لا مراءَ فيها ولا ما يدع مجالاً للشك، وهو أنه لم يكن لليهود كيان سياسي على أرض فلسطين، ولم يكن لأبناء أوروبا موضع قدم على أرض بلاد العالم العربي والإسلامي، حتى سنة 1909م، ومن هنا بدأت مرحلة من تاريخ الصراع بين الشرق والغرب، الصراع بين الحق والباطل.
وفي خضم هذا الصراع ومن ضمنه أيضًا وقع في سنة 1909م الانقلاب العسكري الثاني الذي أطاح بالسلطان "عبد الحميد الثاني"، الذي شكَّل عقبةً حقيقيةً أمام إقامة كيان صهيوني في أرض فلسطين؛ لكونه رفَض أن يفرِّط بحبَّة تراب واحدة من أرضها، والذي كان يردّد دائمًا أن هذه الأرض التي رواها آبائي و أجدادي بدمائهم لا يمكن التفريط فيها، وعمد اليهود إلى إغرائه بالمال لتسديد مديونية الدولة العثمانية، ولكنه رفض بإِباء وشمَم- رغم حوجته الماسة لهذا المال في تلك الفترة- ودوَّن في مذكراته أنه ليس من حقه التفريط بشبرٍ واحد من أرض فلسطين، وعلى إثْر هذا الموقف تم التَّآمُر عليه والإطاحة به على أيدي الضباط من أبناء حزب الاتحاد والترقِّي، وهكذا انهارت عقبةٌ من عقبات إقامة كيان سياسي صهيوني على أرض فلسطين.
من أبرز ملامح هذه المرحلة من الصفحات المجهولة انعقاد المؤتمر الصهيوني العالمي في (بازل) بسويسرا عام 1897م، والذي تقرَّر فيه إقامة الكيان الصهيوني الغاصب على أرض فلسطين، وفيه دبَّروا مكيدة الخلاص من العقبة المستعصية التي تقف في وجههم وهي الخلافة الإسلامية بقيادة السلطان "عبد الحميد الثاني"، فجاء الانقلاب العسكري الأول سنة 1908 والثاني سنة 1909 والذي انتهى بإقامة حكم العسكر..
وفي هذه المرحلة وقعت الحرب العالمية الأولى والتي صدر أثناءها (وعد بلفور)، وذلك باتفاق بين ألمانيا وإنجلترا والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وروسيا؛ ليشترك الجميع في جريمة غرس هذا الكيان العنصري النازي على أرض فلسطين، وبموجبه تمَّ الاتفاق على تمزيق العالم العربي وِفْق معاهدة (سايكس بيكو)، والتي اتُفق فيها على أن تغضَّ فيها فرنسا وإنجلترا عن الروس في المنطقة الواقعة ما وراء البحر الأسود مقابل أن يغضَّ الروس الطرفَ عن الفرنسيين والإنجليز في العالم العربي والإسلامي...
وقامت الحرب العالمية الأولى واستدرج العرب لدخول هذه الحرب تحت قيادة "فيصل بن الشريف بن الحسين"، بعد أن أقنعوه بأنه يمكن أن يكون خليفة على دولة عربية مستقلة، بشرط أن يتعاون مع أبناء أوروبا من الإنجليز والفرنسيين الحلفاء في ضرب الجيوش الإسلامية العثمانية التي كانت تحمي فلسطين وبيت المقدس وأرض المسلمين، وقَبِل "الشريف الحُسين" أن يحارب تحت راية الصليبين أبناء أوروبا، وهكذا دخلت الشعوب العربية- التي ابتُليت بهذه القيادة السياسية- الحرب إلى جانب ما يسمَّى الحلفاء الذين تستَّروا بستار الصليب، واضطُّر الأتراك أن يخوضوا هذه الحرب بجانب ألمانيا، وهكذا ضُربت ثلاثة جيوش عربية إسلامية عثمانية كانت تحمي بيت المقدس، وعلى إثر ذلك دخل الجنرال "اللنبي" القدس في ديسمبر 1917م، قائلاً: "الآن انتهت الحروب الصليبية"، ودخل الجنرال "غورو" إلى دمشق ووضع قدمه على قبر "صلاح الدين"، قائلاً: "ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين"، وتعتبر هذه المرحلة من أخطر المراحل التي نعيش تبعاتها لغاية اليوم.
إذن حتى سنة 1918م لم يكن لليهود كيان سياسي في أرض فلسطين، ولا للاستعمار الغربي موضع قدم على أرض الشام، كان هناك احتلال إنجليزي على مصر سنة 1882م، وكان هناك احتلال فرنسي على تونس والجزائر والمغرب 1830م، وفي سنة 1922م صدر صكّ الانتداب من عصبة الأمم بتفويض بريطانيا العُظمى لإدارة فلسطين، بمعنى إبادة و تشريد شعبها وفتح الطريق أمام الهجرة اليهودية، وأصبحت عصبة الأمم وإيطاليا وفرنسا وإنجلترا وكلّ الدول الأوروبية تدعم المشروع الصهيوني، وتولّت بريطانيا تيسير هذا الأمر ومنذ عام 1918م واصل الإنجليز تهويد فلسطين وتسليمها لليهود.
ولقد أدرك الشعب الفلسطيني ما يدبَّر له، وأدرك العالم العربي هذه المخطّطات، ولكن لم يكن يملك من أمره شيئًا، لكون العالم العربي يرزح تحت نير الاحتلال الأجنبي، فكانت الأمة مكبّلة بالأغلال، ففلسطين محاصَرة، والخلافة غائبة، والحكام باعوا أنفسهم للإنجليز أو لأعوانهم، والشعب الفلسطيني محاصَر، فمن الجهة الشرقية (كلوب) الإنجليزي الذي كان قائد جيش الأردن، ومن جهة سورية وجود قوات احتلال فرنسي، ومصر محتلَّة إنجليزيًّا، واستغلالاً لهذه الأوضاع المزرية قام الإنجليز منذ عام 1918-1948م بدعمٍ من الدول الأوروبية بتشريد غالب الشعب الفلسطيني وسلّموا هذه الأرض للعصابات الصهيونية التي فتحت باب الهجرة لها، وفي عام 1948م أعلنوا الإنجليز انسحابهم بعدما أتمّوا مرحلة التهويد، وعلى إثر ذلك اجتمع ممثلو الكيان الصهيوني، وأعلنوا قيام دولة (إسرائيل) على التراب الفلسطيني في 14/5/1948م.
الغريب أن أول من سارع للاعتراف بهذا الكيان المسخ هي روسيا، وبعد 6 دقائق اعترفت أمريكا بالدولة الصهيونية الغاصبة على أرض فلسطين، وبهذا أوفَت بريطانيا بوعدها- وعد بلفور- ونقضت العهود مع "الشريف حسين" بدولة عربية مستقلة، وما كان له أن ينخدع، ولكنه أجرم في حق هذه الأمة لتصديق وعودهم وهم الذين بِدون وعد ولا عهد، حتى أصبحت فلسطين لقمةً سائغة بأيديهم.
وبعد 14/5/1948م بدأ الكيان العنصري الدخيل يباشر نشاطه بدعم من الدول الغربية الاستعمارية وبدعم من المنظمة الدولية، وبهذا أصبح الكيان- الذي اقتلع شعب من جذوره، وانتهك المقدسات، وصادر أرض الغير- عضوًا في المنظمة الدولية، ويُدعم بالرجال والسلاح، فروسيا فتحت باب الهجرة إلى أرض فلسطين، وفرنسا هي التي نفّذت المشروع النووي للكيان الصهيوني، وألمانيا هي التي زوّدتهم بغواصات نووية وزوارق التوربيد وتدعمهم بالمال والخبرات لتصنيع الأسلحة الجرثومية والكيميائية، وأمريكا تدعمهم بالمال والسلاح، وللأسف فإن العالم العربي والإسلامي بنواقصه وقَف مواقفه السلبية وهو يرى هذا الكيان يعلو يومًا بعد يوم، وهو لا يحرّك ساكناً، ونسي الجميع أن القدس وقفٌ إسلامي، وأن فلسطين بتاريخها جزءٌ من عقيدة المسلمين، وتحريرها فرض على المسلمين وهو واجب شرعي وضرورة حياتية لا يعذر منها أحد، وأن نصرة أهلها من عقيدتنا، وأن الأمة- حكامًا ومحكومين- مكلفةٌ بتحرير بيت المقدس.
في هذه المرحلة التي علا فيها اليهود علوًّا كبيرًا، كما أخبر الله عز و جل: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَ كَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً ﴾ (الإسراء: 5،4).
هذه المرحلة تحتاج إلى دراسة متأنّية؛ كي نفقه وندرك ونعلم أن الله فرض على أمتنا نصرة المسلمين في كلّ مكان يُظلمون فيه، ليس في فلسطين فحسب، بل وفي العراق والشيشان كذلك، بل وفي كل مكان تعلو عليه (لا إله إلاَّ الله)، يقول "ابن قدامة": "إذا سطَا العدو على شبر من أرض الإسلام فقد أصبح الجهاد متعلّقًا في رقاب المسلمين ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَ لَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَ بِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَ مَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40،39).
في هذه المرحلة لا بُد من تجلية صفحاتها حتى ندرك من هو الصديق ومن هو العدو ومن يوالي ومن يعادي ومن الذي رمانا بهذا البلاء، ونبّه إلى أن الدول الأوروبية غيرُِ جادة بإقامة دولة فلسطينية لا على أرض غزة، ولا على أرض الضفة، ولا على وقف العدوان الواقع على أرض فلسطين، وخريطة الطريق جاءت فقط لكون العدو الصهيوني في ورطة حقيقية، وفي كتاب نشر مؤخرًا في مجلة (البيان) تحت عنوان (الانتفاضة والتتار الجدد) للدكتور "سفر بن عبد الرحمن الحوالي" تكلَّم فيه أن العدو في ورطة حقيقية، والهدف من خارطة الطريق إنقاذ العدو الصهيوني، واستقطاب مشاعر المسلمين لإخراجهم من ورطتهم في العراق وأفغانستان، وهم الذين وضعوا الجميع بقاربٍ واحد وهم عازمون على إغراقهم، وما صدر عن أوروبا في إيطاليا مؤخرًا بوضع حركة (حماس) حتى جناحها السياسي على قائمة الإرهاب إلا دليل على عدم جدّية الدول الأوروبية بإقامة دولة فلسطينية، وأن هذا القرار خُطّط له بليلٍ دامس، وهو ليس وليد 11 سبتمبر أو أحداث أفغانستان، والدليل على ذلك سأعرض لكتاب أو كلمات قالها عالم من علماء مصر اللواء الدكتور "سلمي محمد" أستاذ الإستراتيجية الشاملة في أكاديمية ناصر العسكرية في كتاب له نُشر سنة 1996م كتب كتاب (كيف نفكّر استراتيجيًّا)، وفي صفحة 403 تكلَّم في المحور الرابع عن محاربة الإرهاب، قائلاً: "على الرغم من كلِّ هذا فقد نجد أن الاتجاه العالمي هو التعبير بكلمة الإرهاب عن الإسلام، وبعضهم يضيف وصفًا للإرهاب ليقول الإرهاب الإسلامي، وهو ما نجده كثيرًا في تعبيرات قادة الكيان الصهيوني؛ ولذلك تعتبر التعبئة العالمية لمحاربة الإرهاب أحد أهم مكوّنات ثقافة السلام، ويعبِّر بعض أعداء الإسلام بقولهم محاربة أعداء السلام، وهم يشيرون بذلك إلى مسلمِي فلسطين من منظمة (حماس)، إلى (الجهاد الإسلامي)، حتى منظمة (حزب الله)، التي تجاهد لتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الصهيوني، ويضيفون إليهم كلَّ المجاهدين المسلمين الرافعين لراية الحق في كلِّ أنحاء المعمورة".
ونبّه الكاتب: "ولكن الأمة لم تنتبه في حينه، وهو أن شعار التحالف الدولي من أجل محاربة الإرهاب الذي يرفعه الرئيس الأمريكي ويوافقه عليه عددٌ كثير من قادة الغرب، وعدد من قادة الدول الإسلامية...، ما هو إلا شعار يحمِل في طيّاته شنَّ حربٍ عالمية شاملة ضد الإسلام؛ لاقتلاعه من العالم إن استطاعوا ولن يستطيعوا؛ لأن إرادة الله اقتضت أن يعلوَ هذا الدين ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:33، وفي موضع آخر ﴿وَكَفَى بِالله شَهِيدًا﴾ (الفتح من الآية28).
لابد أن ندرك أن هذه الهجمة الشرسة لا تستهدف العراق فحسب ولا فلسطين فحسب ولا الشيشان وأفغانستان، وإنما تستهدف المملكة العربية السعودية؛ لأنهم يحلُمون بخيبر وبني النضير، وتستهدف مصر لتمزيقها- مزّقهم الله كلّ ممزق-، وتستهدف أمتنا التي جعلها الله رحمة للعالمين، الأمة التي أوصاها الله بأهل الكتاب ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة:9،8).
نريد من هذه الدراسة أن ندرك أن العالم الغربي وأوروبا غير جادين في وقف العدوان القائم في فلسطين، وأن خارطة الطريق لتخدير مشاعر المسلمين، إن فلسطين محتلة منذ عام 1918م فلماذا لم يتحرّكوا عند صرخة الشعب الفلسطيني في عام 1921م و1935م بقيادة الشيخ المجاهد "عز الدين القسام" وعام 1936م "الحسيني" و"حسن سلامة" وصرخة (47 و48) والدول الأوروبية هي التي مكَّنت العدو من قيام هذا الكيان على أرض فلسطين وكبّلوا العالم العربي حتى أصبح للكيان الصهيوني جذورٌ في أرض فلسطين.
إن وضع (حماس) على قائمة الإرهاب الأوروبية جريمةُ، ولنا أن نتساءل أين حقوق الإنسان؟!! وأين القانون الدولي؟! وأين الحريات؟! فشعب يدافع عن عرضه ومقدساته وعن وطنه هل بهذ يعد إرهابيًّا؟!
لماذا إذن حاربت القوات الأمريكية الموجودة في القارتين الجديدتين بقيادة "جورج واشنطن" الإنجليز؟!
لماذا حارب الصينيّون الإنجليز ودول أوروبا في حرب الأفيون ولماذا "ديجول فرنسا" قاوم الاحتلال النازي؟! فالمقاومة مشروعة تاريخيًّا وقانونًا وشرعًا والعالم كلّه يدرك أن الحق مع الشعب الفلسطيني في مقاومته ضد الاحتلال الدخيل، ولكن رغم هذا يصرّون على مواصلة موقفهم الداعم للكيان الصهيوني لتنقلب الموازين وعلى إثْر ذلك جعلت المقاومة الفلسطينية إرهابًا وتم القضاء على الحريات والديمقراطية وغُيّب القانون على يدي من يُطلق على نفسه دول العالم المتحضِّر لتقيم البشرية في العهد الرعوي، رغم كلِّ ما يمتلكوه من وسائل تكنولوجية و علم.
لا بد من إدراك هذه المرحلة ليعرف العالم كله الشعبَ الأمريكي؛ لأن هناك فئات فيه ما زال عندها قيم ومبادئ؛ لذلك نرى المظاهرات قد خرجت في الدول الأوروبية وحتى أمريكا معارضة للحرب على العراق، ومنهم فئات تريد وقف العدوان على الشعب الفلسطيني ولا بد من تنبيههم أننا في حالة وقف العدوان على أمتنا سنكون لهم أصدقاء، لكم ما لنا وعليهم ما علينا؛ لأن الله علّمنا ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة:9،8).
--
نقلاً عن المركز الفلسطيني للإعلام