خضراوي قديم
28-08-03, 02:53 AM
حقيقة لم اكن اتصور انني سألتقي اليوم مع شخصية بهذه الصورة المتميزة والمشرفة.. نموذج اماراتي غاية في الرقي والتحضر.. فهو رياضي قديم وصاحب مشوار طويل وله بصمات بيضاء على رياضة الامارات وخاصة كرة القدم وهي في مهدها تحبو بدون امكانيات تذكر.. له من الذكريات ما جعلنا نحرص على تسجيلها تأريخها وعرضها ليستفيد منها الشباب وتكون له نبراس يستنير به في مشواره في ظل ما توفره الدولة للرياضة والشباب من امكانات هائلة.
انه السفير واللاعب القديم محمد العصيمي دبلوماسي من الطبقة الاولى.. ومتحدث جيد يتمتع بشخصية محببة الى النفس لفرط تواضعه وادبه الجم وثقافته العالية.. شعرت وانا اتحدث معه انني اعرفه منذ سنوات.. لم ابذل جهداً في استخراج ما تراكم من ذكريات.. فهو يملك ذاكرة حديدية ومنظمة (ماشاء الله) . هذه المقدمة المتواضعة ربما لا تفي الرجل حقه..فلا اريد ان ازيد وسأترك للقارىء العزيز فرصة التعرف على ابعاد شخصيتة محدثي, من خلال سطور هذا اللقاء الذي يأتي في اطار سلسلة لقاءات (الرياضة) مع رموز الحركة الرياضية الاولى بالدولة.. وسأترك له المساحة ليستعرض ما احتفظت به الذاكرة منذ اكثر من ربع قرن.
البداية بالمدارس:
في مطلع الستينيات وصلت الى دبي بعثة مصرية ارسلها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر على نفقة جمهورية مصر العربية.. هذه البعثة تضم عدداً من المدرسين المتخصصين ومنهم مدرسو التربية البدنية الذين بدأوا في تنظيم الانشطة التي كنا نمارسها بصورة ارتجالية في ذلك الوقت ومنها كرة القدم.. وانا شخصيا مارست لعبات الكرة الطائرة والسلة وكرة القدم.. ولكن جذبتني كرة القدم وشكلنا فريقا بالمدرسة.. ولم يكن هناك امكانيات على الاطلاق وكان ملعب كرة القدم مجاورا للمدرسة الثانوية بدبي وعلى نفس الملعب تقام انشطة كرة السلة والطائرة واليد.. وكنت شديد الشغف بمتابعة اخبار كرة القدم من خلال المجلات التي تأتينا من مصر التي تغطي اخبار الاندية العربية وكان اشهرها في ذلك الوقت نادي الاهلي والزمالك. ونشأ معنا حب كرة القدم وكنا نلعب في (الفريج) ونحن صغار ونتنافس وبعد ان اشتد عودنا بدأنا في التفكير.. كيف نكون مؤسسات رياضية بمعنى كيف نكون نادي.. ومن هنا جاءت فكرة تأسيس نادي الشباب العربي في عام 1960 وجعلنا مقره في منزل الاخ جمعة غريب بمنطقة الرأس محل سوق الذهب حاليا وشكلنا فريق كرة قدم من جمعة غريب وعبدالله بالهول وعلي البدور (رحمه الله) وخليفة بن دسمال وعبدالله علي وسلطان ابراهيم وعبدالعزيز بن فارس ومراد سالمين رحمه الله ومحمد مطر العاصي وكان معنا ايضا بعض اللاعبين الاجانب وكان مسموحاً في ذلك الوقت بمشاركتهم في المباريات قبل ان نعرف معنى الاحتراف.. واللاعب الاجنبي. وانضم الينا بعد ذلك اللاعبون: احمد جمعة ويونس محمد نور وخليفة بن ظبوي وسلطان الجوكر والمرحوم سعد مبارك والد بخيت وخميس سعد.
انتقال نادي الشباب الى مقره الجديد:
وبعد زيادة الاعضاء كان لابد من الانتقال الى مقر اخر يكون اكبر حتى يستوعب عدد الاعضاء واستأجرنا منزل في شارع نايف بدعم من سمو الشيخ حميد القاسمي شقيق صاحب السمو حاكم رأس الخيمة وبعد اربعة اعوام تقريبا انتقلنا الى مقر اخر بجوار شرطة نايف.. وفي عام 1967 انتقلنا الى مبنى تابع لبلدية دبي (حاليا ساحة مواقف السيارات بجانب دائرة الاراضي والاملاك) . وخلال هذه المرحلة الانتقالية كنا نتدرب ونلعب وكان الاخ جمعة غريب يتولى مهمة التدريب بجانب اللعب بالاضافة الى بعض الارشادات والتوجيهات التي كان يعطيها لنا المدرسون على اعتبار ان معظمنا كان بالمدرسة الثانوية بدبي وعرفنا كيف نهيىء الجسم بالاحماء وتدريبات اللياقة للاستعداد للمباريات وتأسست في ذلك الوقت نادياً الوحدة والنصر في بر دبي بالاضافة الى نادي الشباب العربي وكان هناك ناديا اخر صغير لا اتذكر اسمه في منطقة الشندغة يلعب له سالم بوشنين وعبدالله حارب وسعيد حارب.
الرياضة وانشطة اخرى بالشباب جمعة غريب ممثلا!! ورغم ضألة الامكانيات الا اننا كنا نعشق نادينا ونسعى بكل الجهد لتطويره والارتقاء به وكنا نصرف من جيوبنا والمقتدر منا كان يشتري ما يقدر عليه من ملابس وكان بعض محبي النادي اذا سافروا الى الهند او باكستان كانوا يحضرون لنا الملابس الرياضية والاحذية والكرات.. وكانت تربطنا كلاعبين بهؤلاء وبالنادي علاقة حب وانتماء واخلاص دون انتظار الى المقابل.. ومن هذا المنطلق طورنا انشطة النادي واصبحت فنية تضم فريقا للتمثيل واذكر ان الاخ جمعة غريب كان يقوم بالتمثيل في الفريق.. وكنا نقيم مسرحيات على مسرح سينما وكانت مملوكة لوالدي.. وكان لدى النادي مكتبة علمية تضم العديد من الكتب ومجلة حائط شهرية نشارك جميعا في اصدارها وتحريرها وكان هناك فريق للرحلات.
69 بداية تأسيس اهلي دبي:
وهنا اتذكر والحديث مازال للسفير انه في عام 1969 اندمج ناديا الوحدة والشباب العربي وتأسس النادي الاهلي بدبي.. وانفصل بعض الاخوة الذين لم يرغبوا في الانضمام الى الاهلي واسسوا ناديا اسمه الشباب وكان مقره بجوار مستشفى الكويت بالبراحة وكانت هيئته الادارية مكونة من بطي بن بشر ومطر المري واحمد سيف بالحصا وعبيد النشمي وسالم محمد الحبتور.
مكتوم ابو الرياضة في دبي:
واضاف: وهنا اذكر بكل العرفان بالجميل الذي غمرنا به صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم وكان ولي عهد دبي في ذلك الوقت.. حيث كنا نطلق عليه (ابو الرياضة) من فرط دعمه ومساعدته للرياضة والرياضيين في اندية دبي والشباب والعربي والوحدة والنجاح وايضا سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم الذي كان يدعم نادي النصر بقوة. وعن الرياضة وشجونها زمان قال: الرياضة زمان كان فيها نوع من الحب الصادق والاخلاص والتفاني من اللاعب والمدرب والاداري ومن المتفرجين ايضا.. مثلا كنا نلعب المباريات الرسمية على الملعب المجاور للمدرسة الثانوية (حاليا ميدان الاتحاد) وكان الملعب مفتوحاً (بدون اسوار) وليس له حواجز تفصل الملعب عن المتفرجين.. وكان الجمهور يجلس على الخطوط.. ولا اذكر ابدا ان ثمة مشكلة حدثت داخل الملعب بين اللاعبين ـ وهذا امر عادي ـ وتدخل الجمهور او حاول.. فقد كان الجمهور يشجع بحب وتعاطف.. وكانت مبارياتنا تشهد تنافسا قويا وحماساً لا نظير له داخل حدود الملعب.. وبعد المباراة سواء كانت ضد النصر او الوحدة كنا نجلس معا ونتسامر ونخرج في رحلات معا.. بمعنى ان التنافس الرياضي لم يكن يترك اثارا في نفوسنا بل كان مبعثا للتقارب.
اين نحن من مستوى جيراننا؟
وهنا حولت دفة الحوار الى الواقع الرياضي.. وسألت السفير: هل الرياضة في دولة الامارات تمضي في طريقها الصحيح؟ قال: اعتقد ان النتائج هي خير دليل على الاجابة. واضاف: لابد ان نأل انفسنا ـ أولا ـ اين نحن من مستوى دول مجلس التعاون في كل الانشطة بداية من كرة القدم؟.. واين نحن من المستوى العربي؟ واين نحن من المستوى الاسيوي؟ هذه اسئلة ينبغي الاجابة عليها.. فنحن وصلنا الى نهائىات كأس العالم في كرة القدم ـ مثلا ـ والذي يصل الى كأس العالم على الاقل لابد ان يحافظ على نفس المستوى ان لم يكن الى الامام.. وعاد السفير وتساءل: هل تنقصنا الامكانات؟ هل تنقصنا المنشآت الرياضية؟ هل تنقصنا القوة البشرية؟ وكم مر علينا من مدربين واداريين ولاعبين منذ بدء انشاء الاتحادات مع مطلع السبعينات.
هناك خلل لابد من محاصرته:
قضية هامة وحساسة اثارها محدثي من خلال عدة تساؤلات ربما لا تتسع المساحة للاجابة عليها.. ولكنه عاد وقال: لابد ان تكون هناك وقفة جادة ومحاسبة وصراحة ولاسيما ان الدولة (ما قصرت) المنشآت موجوده على اعظم مستوى والامكانيات متوفرة والخامات والمواهب موجودة والمدربون الاكفاء ايضا يتوافدون على الدولة.. اذن اين الخلل.. قطعا هناك خلل لابد ان يتم بحثه ودراسته بصراحة وجدية.. وان يكون هناك مساءلة وثواب وعقاب وبدون المساءلة وبدون الثواب والعقاب سنظل في نفس المكان.. بصراحة! واضاف بنفس الهدوء: الحقيقة المسؤولون في الاتحادات بذلوا ويبذلون كل جهودهم والمسؤولون في اللجنة الاولمبية ايضا يعملون بكل اخلاص والمسؤولون في الوزارة عن الحركة الرياضية لا (يقصرون) وقدموا كل الدعم.. ومعظم هؤلاء المسؤولين لديهم اشغالهم ومسؤولياتهم ورغم ذلك قدموا كل الجهد وادوا واجبهم على اكمل وجه على حساب امور خاصة كثيرة اذن اين الخلل؟ وقال: لابد ان ننظر للامام.. ونضع اهدافا.. ونرسم خططاً مستقبلية على ثلاث او خمس سنوات وبعدها نوازن ونحاسب انفسنا من خلال موقعنا ومسألة وضع الاخطاء والاخفاقات على شماعات المدربين والحكام شيء مرفوض!
النجوم قدوة في سلوكهم وتصرفاتهم
قلت له: اذن المسؤولية اصبحت محصورة في اداء الشباب اللاعبين ماذا يمكن ان توجهه للاعبين وانت كنت واحدا منهم.. قديماً؟ قال: من خلال تجاربي الطويلة وممارستي للرياضة ومعايشتي لواقعها القديم كلاعب والحالي كمتابع اقول ان الرياضي النجم شخص معروف ولابد ان يكون مثلا وقدوة في سلوكه وتصرفاته سواء داخل الملعب او خارجه ولابد ايضا ان يتحلى بالاخلاص والتفاني ونكران الذات ويعجبني بالمناسبة من النجوم الحاليين عدنان الطلياني لاعب خلوق مثل الدولة احسن تمثيل وايضا فهد خميس من الوصل.. ومن النجوم المتقاعدين احمد عيسى وعبدالرحمن العصيمي والدكتور حمدون وسالم بوشنين وسهيل سالم وغيرهم ممن لا تسعفني الذاكرة بهم الان.. كلهم مثلوا الامارات وكانوا سفراء لها وكانت سلوكياتهم واخلاقياتهم مثلا يحتذى به.. واعطوا بسخاء دون الانتظار للمقابل. لهذا اقول للجيل الحالي والقادم لابد ان تقدم اولا ولابد ان تبرز موهبتك فانت تمثل الدولة التي لم تبخل عليك.. المفروض ان اي لاعب يتشرف بالانضمام الى المنتخب هو كالجندي في الميدان هدفه خدمة الدولة والعمل بكل جدية واخلاص لرفع اسمها في المحافل الرياضية ايضا شأنه شأن دبلوماسي يمثل بلده كثير من الشباب يحلم بالوصول الى المنتخب ليمثل الدولة.. ومن يصل ينبغي ان يعطي ويتحمل المسؤولية ويؤديها.
لماذا المطالبة بميزانيات اكبر؟
واضاف: طالعت في بعض الصحف ان هناك شكوى من عدم وجود ميزانيات كافية لبعض الاتحادات.. و هنا اتساءل الاتحاد الذي يطالب بميزانيات اكبر عن المخصصة له اين هو؟ وما هي انجازاته؟ وعلى اي اساس يطالب بزيادة الميزانية.. هل حقق بطولة؟ واقول: اذا حققت بطولة باسم الدولة فلك الحق في المطالبة بالزيادة لكي تسعى الى بطولة اخرى.. لذا اؤكد ان النتائج هي المقياس الذي على اساسه تتم المطالبة.. وبدون نتائج ارى انه مطلب غير مقنع!!
العودة الى الذاكرة وكأس الشيخ مكتوم:
ولتخفيف الحوار عدنا الى الذاكرة مرة اخرى كمحاولة للاستفادة بما اختزنته طوال هذه السنين. قال السفير محمد العصيمي: الكرة زمان كانت مقيدة بمراكز اللاعبين داخل الملعب.. والخطط لا تسمح للمدافع بالتقدم كما يحدث الان.. لهذا لم احرز اهدافا كثيرة ولاسيما اني كنت مدافعا.. ولكني اتذكر قبل نحو 36 عاما المباراة التي لعبناها على كأس صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم وكانت امام فريق الوحدة بدبي وحضرها في ذلك الوقت كمال حمزة مدير البلدية باعتباره مقدم الكأس وحضرها ايضا (ابو الرياضين) العم حميد الطاير رحمه الله والد احمد الطاير الذي كان سندا قويا لنادي النصر وعلم من اعلام المشجعين وكان محبوبا لدى الجميع.. ولعبنا مباراة قوية وحماسية انتهت بفوز فريق الشباب العربي 2/1 على فريق الوحدة وكانت مباراة من اقوى المباريات التي اتذكرها حيث تميزت بالاداء الرجولي وبذل الجهد.. وعقب المباراة طفنا بالكأس واقمنا حفلا بالنادي. وهنا سألته عن مكافأة حصول الفريق على الكأس؟ قال: لم نكن نتعامل كلاعبين مع النادي بهذا الاسلوب المادي فقد كانت المكافأة هي حصولنا على الكأس.. والمزيد من البطولات هو اكبر مكافأة لنا جميعاً كلاعبين.
النشاط المسرحي كان له تواجد:
كان النادي يعج بالحركة والنشاط وكان حجم العضوية كبيرا جداً وكنا نستغل النادي في التجمع والجلوس بدلا من (التسكع) في الشوارع او الجلوس على المقاهي.. وكنا نتابع باستمرار النشاط المسرحي بالنادي وكنا قد اعددنا اكثر من مسرحية في مقر النادي وعرضنا مسرحية في سينما الوطن بميدان عبدالناصر.. بني ياس حاليا وكان مخرجها اسمه واثق السامرائي (عراقي) والممثلون من نادي الشباب اذكر منهم نوي بلال وطارق بلال وجمعة غريب وجمعة عبيد البدور وبعضهم مثل دور المرأة ومعهم الاخ غانم عبيد غباش وبطي بن بشر وكانت المسرحية باسم (سامحيني) وحضر العرض جمهور كبير تفاعل معها. واضاف: وهنا يجب ان انبه الى ضرورة ان يكون للمدرسة دور في التوعية وتشجيع الطلبة على ممارسة الانشطة المختلفة وان يكون لمدرسي التربية البدنية دور في تحفيز الطلبة وتوجيههم الى ممارسة الرياضة بدلا من تركهم يتجهون اتجاهات اخرى.. وربط المدرسة بالنادي شيء مهم جدا لان المدرسة هي الجسد السليم المؤدي الى مستوى رياضي افضل.. ونحن على سبيل المثال خرجنا جميعا من المدرسة الى النادي فكانت هناك رياضة.. والان مع الاسف لا ارى نشاطاً رياضياً مدرسياً على المستوى المطلوب والذي يساعد على تطوير المستوى الرياضي بالدولة.
النجوم القدامى... أين هم؟
وسألته: النجوم القدامى وانت واحد منهم.. اين هم الان؟ قال: النجوم القدامى منهم من اختاره الله مثل المرحوم علي البدور ومنهم من هو على قيد الحياة ومازال يعطي كالاخ جمعة غريب ربنا يعطيه الصحة مازال عطاؤه متدفقا والاخ سلطان الجوكر موجود في دائرة الموانىء والجمارك بدبي وهو عضو مجلس ادارة اتحاد السنوكر والاخ عبدالله بالهول وهو طبيب اسنان ومتقاعد من القوات المسلحة ومطر العاصي في وزارة التربية والتعليم والباقين اعتقد ان لديهم اعمالهم الخاصة وظروفهم لاتسمح بمزاولة انشطة اخرى ولكن لو طلب منهم لن يتأخروا. وختاما لهذا الحوار والحديث الشيق والممتع قال: اتمنى في الختام ان ارى رياضتنا في الامام وان تتقدم باستمرار وخاصة ان كل الامكانيات متوفرة والدليل اننا وصلنا الى نهائيات كأس العالم وفزنا على فرق كبرى.. وانا متأكد ان كل المسؤولين حريصون ويعملون على ان يحصلوا على افضل النتائج.. ولكن اكرر هناك خلل.. وليس لي دور الان.. ولكن اتمنى من اخواني في كل مجالس ادارات الاندية والاتحادات ان يبحثوا عن اسباب هذا الخلل.
من ارشيف جريدة البيان
انه السفير واللاعب القديم محمد العصيمي دبلوماسي من الطبقة الاولى.. ومتحدث جيد يتمتع بشخصية محببة الى النفس لفرط تواضعه وادبه الجم وثقافته العالية.. شعرت وانا اتحدث معه انني اعرفه منذ سنوات.. لم ابذل جهداً في استخراج ما تراكم من ذكريات.. فهو يملك ذاكرة حديدية ومنظمة (ماشاء الله) . هذه المقدمة المتواضعة ربما لا تفي الرجل حقه..فلا اريد ان ازيد وسأترك للقارىء العزيز فرصة التعرف على ابعاد شخصيتة محدثي, من خلال سطور هذا اللقاء الذي يأتي في اطار سلسلة لقاءات (الرياضة) مع رموز الحركة الرياضية الاولى بالدولة.. وسأترك له المساحة ليستعرض ما احتفظت به الذاكرة منذ اكثر من ربع قرن.
البداية بالمدارس:
في مطلع الستينيات وصلت الى دبي بعثة مصرية ارسلها الزعيم الراحل جمال عبدالناصر على نفقة جمهورية مصر العربية.. هذه البعثة تضم عدداً من المدرسين المتخصصين ومنهم مدرسو التربية البدنية الذين بدأوا في تنظيم الانشطة التي كنا نمارسها بصورة ارتجالية في ذلك الوقت ومنها كرة القدم.. وانا شخصيا مارست لعبات الكرة الطائرة والسلة وكرة القدم.. ولكن جذبتني كرة القدم وشكلنا فريقا بالمدرسة.. ولم يكن هناك امكانيات على الاطلاق وكان ملعب كرة القدم مجاورا للمدرسة الثانوية بدبي وعلى نفس الملعب تقام انشطة كرة السلة والطائرة واليد.. وكنت شديد الشغف بمتابعة اخبار كرة القدم من خلال المجلات التي تأتينا من مصر التي تغطي اخبار الاندية العربية وكان اشهرها في ذلك الوقت نادي الاهلي والزمالك. ونشأ معنا حب كرة القدم وكنا نلعب في (الفريج) ونحن صغار ونتنافس وبعد ان اشتد عودنا بدأنا في التفكير.. كيف نكون مؤسسات رياضية بمعنى كيف نكون نادي.. ومن هنا جاءت فكرة تأسيس نادي الشباب العربي في عام 1960 وجعلنا مقره في منزل الاخ جمعة غريب بمنطقة الرأس محل سوق الذهب حاليا وشكلنا فريق كرة قدم من جمعة غريب وعبدالله بالهول وعلي البدور (رحمه الله) وخليفة بن دسمال وعبدالله علي وسلطان ابراهيم وعبدالعزيز بن فارس ومراد سالمين رحمه الله ومحمد مطر العاصي وكان معنا ايضا بعض اللاعبين الاجانب وكان مسموحاً في ذلك الوقت بمشاركتهم في المباريات قبل ان نعرف معنى الاحتراف.. واللاعب الاجنبي. وانضم الينا بعد ذلك اللاعبون: احمد جمعة ويونس محمد نور وخليفة بن ظبوي وسلطان الجوكر والمرحوم سعد مبارك والد بخيت وخميس سعد.
انتقال نادي الشباب الى مقره الجديد:
وبعد زيادة الاعضاء كان لابد من الانتقال الى مقر اخر يكون اكبر حتى يستوعب عدد الاعضاء واستأجرنا منزل في شارع نايف بدعم من سمو الشيخ حميد القاسمي شقيق صاحب السمو حاكم رأس الخيمة وبعد اربعة اعوام تقريبا انتقلنا الى مقر اخر بجوار شرطة نايف.. وفي عام 1967 انتقلنا الى مبنى تابع لبلدية دبي (حاليا ساحة مواقف السيارات بجانب دائرة الاراضي والاملاك) . وخلال هذه المرحلة الانتقالية كنا نتدرب ونلعب وكان الاخ جمعة غريب يتولى مهمة التدريب بجانب اللعب بالاضافة الى بعض الارشادات والتوجيهات التي كان يعطيها لنا المدرسون على اعتبار ان معظمنا كان بالمدرسة الثانوية بدبي وعرفنا كيف نهيىء الجسم بالاحماء وتدريبات اللياقة للاستعداد للمباريات وتأسست في ذلك الوقت نادياً الوحدة والنصر في بر دبي بالاضافة الى نادي الشباب العربي وكان هناك ناديا اخر صغير لا اتذكر اسمه في منطقة الشندغة يلعب له سالم بوشنين وعبدالله حارب وسعيد حارب.
الرياضة وانشطة اخرى بالشباب جمعة غريب ممثلا!! ورغم ضألة الامكانيات الا اننا كنا نعشق نادينا ونسعى بكل الجهد لتطويره والارتقاء به وكنا نصرف من جيوبنا والمقتدر منا كان يشتري ما يقدر عليه من ملابس وكان بعض محبي النادي اذا سافروا الى الهند او باكستان كانوا يحضرون لنا الملابس الرياضية والاحذية والكرات.. وكانت تربطنا كلاعبين بهؤلاء وبالنادي علاقة حب وانتماء واخلاص دون انتظار الى المقابل.. ومن هذا المنطلق طورنا انشطة النادي واصبحت فنية تضم فريقا للتمثيل واذكر ان الاخ جمعة غريب كان يقوم بالتمثيل في الفريق.. وكنا نقيم مسرحيات على مسرح سينما وكانت مملوكة لوالدي.. وكان لدى النادي مكتبة علمية تضم العديد من الكتب ومجلة حائط شهرية نشارك جميعا في اصدارها وتحريرها وكان هناك فريق للرحلات.
69 بداية تأسيس اهلي دبي:
وهنا اتذكر والحديث مازال للسفير انه في عام 1969 اندمج ناديا الوحدة والشباب العربي وتأسس النادي الاهلي بدبي.. وانفصل بعض الاخوة الذين لم يرغبوا في الانضمام الى الاهلي واسسوا ناديا اسمه الشباب وكان مقره بجوار مستشفى الكويت بالبراحة وكانت هيئته الادارية مكونة من بطي بن بشر ومطر المري واحمد سيف بالحصا وعبيد النشمي وسالم محمد الحبتور.
مكتوم ابو الرياضة في دبي:
واضاف: وهنا اذكر بكل العرفان بالجميل الذي غمرنا به صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم وكان ولي عهد دبي في ذلك الوقت.. حيث كنا نطلق عليه (ابو الرياضة) من فرط دعمه ومساعدته للرياضة والرياضيين في اندية دبي والشباب والعربي والوحدة والنجاح وايضا سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم الذي كان يدعم نادي النصر بقوة. وعن الرياضة وشجونها زمان قال: الرياضة زمان كان فيها نوع من الحب الصادق والاخلاص والتفاني من اللاعب والمدرب والاداري ومن المتفرجين ايضا.. مثلا كنا نلعب المباريات الرسمية على الملعب المجاور للمدرسة الثانوية (حاليا ميدان الاتحاد) وكان الملعب مفتوحاً (بدون اسوار) وليس له حواجز تفصل الملعب عن المتفرجين.. وكان الجمهور يجلس على الخطوط.. ولا اذكر ابدا ان ثمة مشكلة حدثت داخل الملعب بين اللاعبين ـ وهذا امر عادي ـ وتدخل الجمهور او حاول.. فقد كان الجمهور يشجع بحب وتعاطف.. وكانت مبارياتنا تشهد تنافسا قويا وحماساً لا نظير له داخل حدود الملعب.. وبعد المباراة سواء كانت ضد النصر او الوحدة كنا نجلس معا ونتسامر ونخرج في رحلات معا.. بمعنى ان التنافس الرياضي لم يكن يترك اثارا في نفوسنا بل كان مبعثا للتقارب.
اين نحن من مستوى جيراننا؟
وهنا حولت دفة الحوار الى الواقع الرياضي.. وسألت السفير: هل الرياضة في دولة الامارات تمضي في طريقها الصحيح؟ قال: اعتقد ان النتائج هي خير دليل على الاجابة. واضاف: لابد ان نأل انفسنا ـ أولا ـ اين نحن من مستوى دول مجلس التعاون في كل الانشطة بداية من كرة القدم؟.. واين نحن من المستوى العربي؟ واين نحن من المستوى الاسيوي؟ هذه اسئلة ينبغي الاجابة عليها.. فنحن وصلنا الى نهائىات كأس العالم في كرة القدم ـ مثلا ـ والذي يصل الى كأس العالم على الاقل لابد ان يحافظ على نفس المستوى ان لم يكن الى الامام.. وعاد السفير وتساءل: هل تنقصنا الامكانات؟ هل تنقصنا المنشآت الرياضية؟ هل تنقصنا القوة البشرية؟ وكم مر علينا من مدربين واداريين ولاعبين منذ بدء انشاء الاتحادات مع مطلع السبعينات.
هناك خلل لابد من محاصرته:
قضية هامة وحساسة اثارها محدثي من خلال عدة تساؤلات ربما لا تتسع المساحة للاجابة عليها.. ولكنه عاد وقال: لابد ان تكون هناك وقفة جادة ومحاسبة وصراحة ولاسيما ان الدولة (ما قصرت) المنشآت موجوده على اعظم مستوى والامكانيات متوفرة والخامات والمواهب موجودة والمدربون الاكفاء ايضا يتوافدون على الدولة.. اذن اين الخلل.. قطعا هناك خلل لابد ان يتم بحثه ودراسته بصراحة وجدية.. وان يكون هناك مساءلة وثواب وعقاب وبدون المساءلة وبدون الثواب والعقاب سنظل في نفس المكان.. بصراحة! واضاف بنفس الهدوء: الحقيقة المسؤولون في الاتحادات بذلوا ويبذلون كل جهودهم والمسؤولون في اللجنة الاولمبية ايضا يعملون بكل اخلاص والمسؤولون في الوزارة عن الحركة الرياضية لا (يقصرون) وقدموا كل الدعم.. ومعظم هؤلاء المسؤولين لديهم اشغالهم ومسؤولياتهم ورغم ذلك قدموا كل الجهد وادوا واجبهم على اكمل وجه على حساب امور خاصة كثيرة اذن اين الخلل؟ وقال: لابد ان ننظر للامام.. ونضع اهدافا.. ونرسم خططاً مستقبلية على ثلاث او خمس سنوات وبعدها نوازن ونحاسب انفسنا من خلال موقعنا ومسألة وضع الاخطاء والاخفاقات على شماعات المدربين والحكام شيء مرفوض!
النجوم قدوة في سلوكهم وتصرفاتهم
قلت له: اذن المسؤولية اصبحت محصورة في اداء الشباب اللاعبين ماذا يمكن ان توجهه للاعبين وانت كنت واحدا منهم.. قديماً؟ قال: من خلال تجاربي الطويلة وممارستي للرياضة ومعايشتي لواقعها القديم كلاعب والحالي كمتابع اقول ان الرياضي النجم شخص معروف ولابد ان يكون مثلا وقدوة في سلوكه وتصرفاته سواء داخل الملعب او خارجه ولابد ايضا ان يتحلى بالاخلاص والتفاني ونكران الذات ويعجبني بالمناسبة من النجوم الحاليين عدنان الطلياني لاعب خلوق مثل الدولة احسن تمثيل وايضا فهد خميس من الوصل.. ومن النجوم المتقاعدين احمد عيسى وعبدالرحمن العصيمي والدكتور حمدون وسالم بوشنين وسهيل سالم وغيرهم ممن لا تسعفني الذاكرة بهم الان.. كلهم مثلوا الامارات وكانوا سفراء لها وكانت سلوكياتهم واخلاقياتهم مثلا يحتذى به.. واعطوا بسخاء دون الانتظار للمقابل. لهذا اقول للجيل الحالي والقادم لابد ان تقدم اولا ولابد ان تبرز موهبتك فانت تمثل الدولة التي لم تبخل عليك.. المفروض ان اي لاعب يتشرف بالانضمام الى المنتخب هو كالجندي في الميدان هدفه خدمة الدولة والعمل بكل جدية واخلاص لرفع اسمها في المحافل الرياضية ايضا شأنه شأن دبلوماسي يمثل بلده كثير من الشباب يحلم بالوصول الى المنتخب ليمثل الدولة.. ومن يصل ينبغي ان يعطي ويتحمل المسؤولية ويؤديها.
لماذا المطالبة بميزانيات اكبر؟
واضاف: طالعت في بعض الصحف ان هناك شكوى من عدم وجود ميزانيات كافية لبعض الاتحادات.. و هنا اتساءل الاتحاد الذي يطالب بميزانيات اكبر عن المخصصة له اين هو؟ وما هي انجازاته؟ وعلى اي اساس يطالب بزيادة الميزانية.. هل حقق بطولة؟ واقول: اذا حققت بطولة باسم الدولة فلك الحق في المطالبة بالزيادة لكي تسعى الى بطولة اخرى.. لذا اؤكد ان النتائج هي المقياس الذي على اساسه تتم المطالبة.. وبدون نتائج ارى انه مطلب غير مقنع!!
العودة الى الذاكرة وكأس الشيخ مكتوم:
ولتخفيف الحوار عدنا الى الذاكرة مرة اخرى كمحاولة للاستفادة بما اختزنته طوال هذه السنين. قال السفير محمد العصيمي: الكرة زمان كانت مقيدة بمراكز اللاعبين داخل الملعب.. والخطط لا تسمح للمدافع بالتقدم كما يحدث الان.. لهذا لم احرز اهدافا كثيرة ولاسيما اني كنت مدافعا.. ولكني اتذكر قبل نحو 36 عاما المباراة التي لعبناها على كأس صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم وكانت امام فريق الوحدة بدبي وحضرها في ذلك الوقت كمال حمزة مدير البلدية باعتباره مقدم الكأس وحضرها ايضا (ابو الرياضين) العم حميد الطاير رحمه الله والد احمد الطاير الذي كان سندا قويا لنادي النصر وعلم من اعلام المشجعين وكان محبوبا لدى الجميع.. ولعبنا مباراة قوية وحماسية انتهت بفوز فريق الشباب العربي 2/1 على فريق الوحدة وكانت مباراة من اقوى المباريات التي اتذكرها حيث تميزت بالاداء الرجولي وبذل الجهد.. وعقب المباراة طفنا بالكأس واقمنا حفلا بالنادي. وهنا سألته عن مكافأة حصول الفريق على الكأس؟ قال: لم نكن نتعامل كلاعبين مع النادي بهذا الاسلوب المادي فقد كانت المكافأة هي حصولنا على الكأس.. والمزيد من البطولات هو اكبر مكافأة لنا جميعاً كلاعبين.
النشاط المسرحي كان له تواجد:
كان النادي يعج بالحركة والنشاط وكان حجم العضوية كبيرا جداً وكنا نستغل النادي في التجمع والجلوس بدلا من (التسكع) في الشوارع او الجلوس على المقاهي.. وكنا نتابع باستمرار النشاط المسرحي بالنادي وكنا قد اعددنا اكثر من مسرحية في مقر النادي وعرضنا مسرحية في سينما الوطن بميدان عبدالناصر.. بني ياس حاليا وكان مخرجها اسمه واثق السامرائي (عراقي) والممثلون من نادي الشباب اذكر منهم نوي بلال وطارق بلال وجمعة غريب وجمعة عبيد البدور وبعضهم مثل دور المرأة ومعهم الاخ غانم عبيد غباش وبطي بن بشر وكانت المسرحية باسم (سامحيني) وحضر العرض جمهور كبير تفاعل معها. واضاف: وهنا يجب ان انبه الى ضرورة ان يكون للمدرسة دور في التوعية وتشجيع الطلبة على ممارسة الانشطة المختلفة وان يكون لمدرسي التربية البدنية دور في تحفيز الطلبة وتوجيههم الى ممارسة الرياضة بدلا من تركهم يتجهون اتجاهات اخرى.. وربط المدرسة بالنادي شيء مهم جدا لان المدرسة هي الجسد السليم المؤدي الى مستوى رياضي افضل.. ونحن على سبيل المثال خرجنا جميعا من المدرسة الى النادي فكانت هناك رياضة.. والان مع الاسف لا ارى نشاطاً رياضياً مدرسياً على المستوى المطلوب والذي يساعد على تطوير المستوى الرياضي بالدولة.
النجوم القدامى... أين هم؟
وسألته: النجوم القدامى وانت واحد منهم.. اين هم الان؟ قال: النجوم القدامى منهم من اختاره الله مثل المرحوم علي البدور ومنهم من هو على قيد الحياة ومازال يعطي كالاخ جمعة غريب ربنا يعطيه الصحة مازال عطاؤه متدفقا والاخ سلطان الجوكر موجود في دائرة الموانىء والجمارك بدبي وهو عضو مجلس ادارة اتحاد السنوكر والاخ عبدالله بالهول وهو طبيب اسنان ومتقاعد من القوات المسلحة ومطر العاصي في وزارة التربية والتعليم والباقين اعتقد ان لديهم اعمالهم الخاصة وظروفهم لاتسمح بمزاولة انشطة اخرى ولكن لو طلب منهم لن يتأخروا. وختاما لهذا الحوار والحديث الشيق والممتع قال: اتمنى في الختام ان ارى رياضتنا في الامام وان تتقدم باستمرار وخاصة ان كل الامكانيات متوفرة والدليل اننا وصلنا الى نهائيات كأس العالم وفزنا على فرق كبرى.. وانا متأكد ان كل المسؤولين حريصون ويعملون على ان يحصلوا على افضل النتائج.. ولكن اكرر هناك خلل.. وليس لي دور الان.. ولكن اتمنى من اخواني في كل مجالس ادارات الاندية والاتحادات ان يبحثوا عن اسباب هذا الخلل.
من ارشيف جريدة البيان